محمد راغب الطباخ الحلبي

125

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

قال : وحدثني أبي قال : حدثني جماعة قالوا : كان السلطان ليس له غناء عن العادل ولا عن رأيه ، فلما حصل العادل بمصر وبعد عن السلطان هناك صار السلطان يتكلف بمكاتبته بالأخبار ويؤخر الأمور إلى أن يرد عليه جوابه فيفوته بذلك كثير من المنافع الحاصلة للدولة وللجهاد ، فلما حصر الكرك في هذه السنة كاتبه بالحضور إليه بعياله وأمواله وجميع أصحابه وولى مصر تقي الدين ، ولما حصل العادل عند السلطان وقع في نفسه أن يعوضه عن ولاية مصر ، ثم حار في ولاية يوليه إياها ، قال : وحدثني غيره قال : لما حصل العادل عند السلطان بأمواله وأثقاله كانت الأموال قد قلت على السلطان وقد حصلت عنده عساكر عظيمة ، فأحضر العادل ليلا وقال : أريد أن تقرضني مائة وخمسين ألف دينار إلى الميسور فقال : السمع والطاعة ، ثم قام وخرج من عنده وكتب إليه يقول : أموالي جميعها بين يديك وأنا مملوكك وأشتهي أن أحمل هذا المال إلى خدمة السلطان ويكون عوضا عنه مدينة حلب وقلعتها ، فأجابه السلطان : إنني واللّه ما أقدمتك إلا لأوليك حلب ، وإذ قد اقترحت ذلك فقد وافق ما عندي ، فلما أصبح العادل أنفذ وسأل السلطان أن يكتب له بمدينة حلب كتابا ويجعله ككتاب البيع والشراء ، فامتنع السلطان وقال : إنما تكون حلب إقطاعا والمال علي له ، فاعتذر العادل إلى السلطان ، ولما اجتمعا قال له السلطان : أظننت أن البلاد تباع ؟ أو ما علمت أن البلاد لأهلها المرابطين بها ونحن خزنة للمسلمين ورعاة للدين وحراس لأموالهم ، أو ما علمت أن السلطان ملك شاه السلجوقي لما وقف طبرية على جامع خراسان لم يحكم به أحد من القضاة ولا من الفقهاء . ثم قرر السلطان ولاية العادل لحلب وأعمالها إلى رعبان إلى الفرات إلى حماة ، وكتب له التوقيع وقرر عليه مالا يحمله برسم الزرد خانات وخزانة الجهاد ورجالة من الحلبيين . ورحل السلطان إلى دمشق واستدعى ولده الظاهر من حلب ، فلما حضر أمره بالعود إلى حلب وتسليمها إلى عمه العادل ، ففعل وعاد إلى دمشق وسار العادل إلى حلب فالتقيا بالرستن وباتا فيه ، فكانت ولاية الظاهر بحلب في هذه النوبة نحو ستة أشهر . ولما وصل الظاهر إلى دمشق أقبل على خدمة والده والتقرب إليه ، إلا أن الانكسار لخروج حلب عنه ظاهر عليه وهو مع ذلك لا يظهر شيئا إلا الطاعة لوالده والانقياد إلى مرضاته .